فخر الدين الرازي
4
تفسير الرازي
لمن يشاء ) * ( الزمر : 52 ) وهو معلوم ظاهر وأما تأكيد وجوب العلم به كما في قوله تعالى * ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) * ( محمد : 19 ) ويمكن أن يقال : هو من قبيل الظاهر ، وكذلك قوله تعالى : * ( واعلموا أنكم غير معجزي الله ) * ( التوبة : 2 ) وأما قوة الفعل فقال تعالى : * ( علم أن لن تحصوه ) * ( المزمل : 20 ) وقال تعالى : * ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى ) * لما كان المستعمل صفة الفعل علقه بالمفعول بغير حرف وقال تعالى : * ( إن ربك هو أعلم بمن ) * كما كان المستعمل اسماً دالاً على فعل ضعف عمله لتعلقه بالمفعول . المسألة الرابعة : قدم العلم بمن ضل على العلم بالمهتدي في كثير من المواضع منها في سورة الأنعام ومنها في سورة : * ( ن ) * ومنها في السورة ، لأن في المواضع كلها المذكور نبيه صلى الله عليه وسلم والمعاندون ، فذكرهم أولاً تهديداً لهم وتسلية لقلب نبيه عليه الصلاة والسلام . المسألة الخامسة : قال في موضع واحد من المواضع : * ( هو أعلم من يضل عن سبيله ) * ( الأنعام : 117 ) وفي غيره قال : * ( بمن ضل ) * فهل عندك فيه شيء ؟ قلت : نعم ، ونبين ذلك ببحث عقلي وآخر نقلي : أما العقلي : فهو أن العلم القديم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه ، إن وجد أمس علم أنه وجد أمس في نهار أمس ، وليس مثل علمنا حيث يجوز أن يتحقق الشيء أمس ، ونحن لا نعلمه إلا في يومنا هذا بل : * ( لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ) * ولا يتأخر الواقع عن علمه طرفة عين وأما النقلي : فهو أن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل إذا كان بمعنى المستقبل ولا يعمل عمله إذا كان ماضياً فلا تقول : أنا ضارب زيداً أمس ، والواجب إن كنت تنصب أن تقول : ضربت زيداً وإن كنت تستعمل اسم الفاعل فالواجب الإضافة تقول : ضارب زيد أمس أنا ويجوز أن يقال : أنا غداً ضارب زيداً والسبب فيه أن الفعل إذا وجد فلا تجدد له في ( غير ) الاستقبال ، ولا تحقق له في الحال فهو عدم وضعف عن أن يعمل ، وأما الحال وما يتوقع فله وجود فيمكن إعماله . إذا ثبت هذا فنقول : لما قال * ( ضل ) * كان الأمر ماضياً وعلمه تعلق به وقت وجوده فعلم ، وقوله * ( أعلم ) * بمعنى عالم فيصير كأنه قال : عالم بمن ضل فلو ترك الباء لكان إعمالاً للفاعل بمعنى الماضي ، ولما قال : * ( يضل ) * كان يعلم الضلال عند الوقوع وإن كان قد علم في الأزل أنه سيضل لكن للعلم بعد ذلك تعلق آخر سيوجد ، وهو تعلقه بكون الضلال قد وقع وحصل ولم يكن ذلك في الأزل ، فإنه لا يقال : إنه تعالى علم أن فلاناً ضل في الأزل ، وإنما الصحيح أن يقال : علم في الأزل ، فإنه سيضل ، فيكون كأنه يعلم أنه يضل فيكون اسم الفاعل بمعنى المستقبل وهو يعمل عمل الفعل ، فلا يقال : زيد أعلم مسألتنا من عمرو ، وإنما الواجب أن يقال : زيد أعلم بمسألتنا من عمرو ، ولهذا قالت النحاة في سورة الأنعام * ( إن ربك هو أعلم من يضل ) * يعلم من يضل وقالوا : * ( أعلم ) * للتفضيل لا يبنى إلا من فعل لازم غير متعد ، فإن كان متعدياً يرد إلى لازم . وقولنا : علم كأنه من باب علم بالضم وكذا في التعجب إذا قلنا : ما أعلمه بكذا كأنه من فعل لازم . وأما أنا فقد أجبت عن هذا بأن قوله : * ( أعلم من يضل ) * معناه عالم ، وقد قدمنا ما يجب أن يعتقد في أوصاف الله في أكثر الأمر أن معناه أنه عالم ولا عالم مثله فيكون أعلم على حقيقته وهو أحسن من أن يقال : هو بمعنى عالم لا غير ، فإن قيل : فلم قال ههنا : * ( بمن ضل ) * وقال هناك : * ( يضل ) * ؟ قلنا : لأن